عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
55
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
ولا يرى الناس سكرك ، ولا تنتقل في السكر لأنه غير محمود ، فقد قيل ( النقلة مثلة ) ولا تشرب السيكى في الصحراء والبستان ، وإذا شربت فعد إلى البيت للسكر ، واسكر في بيتك ، لأن ما يجوز عمله تحت السقف لا يمكن عمله تحت السماء ، وظل سقف البيت خير من ظل الشجرة ؛ لأن المرء في بيته كملك في ملكه ، ويكون في الصحراء كغريب ، وظاهر إلى أي مدى تصل يد الغريب ، وانهض دائما عن النبيذ وما يزال هنالك موضع لكأسين ، واحترز من لقمة الشبع ومن قدح السكر « 1 » ، لأن الشبع والسكر لا يكونان من كل الطعام والشراب ، بل يكون الشبع من اللقمة الأخيرة كما يكون السكر من القدح الأخير ، فقلل لقمة من الطعام وقدحا من السيكى ، لتأمن عاقبة الإفراط في كل شئ ، واجتهد أن لا تكون ثملا دائما ، فإن لثمرة شاربي السيكى شيئان : المرض والجنون ، لأن شارب السيكى يكون إما سكرانا أو مخمورا ، فعند ما يكون سكرانا يكون من جملة المجانين ، وعندما يكون مخمورا يكون من جملة المرضى ، فالخمار نوع من المرض ، فلم يلزم الولع بأمر ثمرته المرض أو الجنون ؟ وإني لأعلم أنك لا تكف يدك عن النبيذ بهذا الكلام ، ولا تقبل نصيحتى ، وعلى كل فلا تتعاط الصبوح ما استطعت ، لأن العقلاء قد ذموا عادة الصبوح ، وأول شؤم هو أن تفوت صلاة الصبح ، والثاني هو أن لا يكون خمار الليلة الماضية قد خرج من الرأس والدماغ فيصحبه بخار اليوم ، ولا تكون ثمرة ذلك غير الماليخوليا ، وفضلا عن ذلك فإنه وقتما يكون الناس نائمين تكون أنت صاحيا ، وعندما يكون الناس صاحين يكون لا بد لك من النوم ، وإذا نمت كل النهار فلا بد من أن تكون ساهرا طول الليل فتصير كل أعضائك منهكة ومريضة ، وقليل من الصبوح قد لا تكون فيه عربدة أو شئ يرتكب فينشأ عنه الندم أو مال ينفق في غير ما ينبغي ، فإذا وقع صبوح في أوقات نادرة يكون سائغا ولكن لا ينبغي تعوده ، لأنه غير محمود . ومهما تكن مولعا بالنبيذ فتعود أن لا تشربه ليلة الجمعة ، ولو أن النبيذ حرام في يومى الجمعة والسبت كليهما ، ولكن ليوم الجمعة حرمة ، وإذا لم تشرب النبيذ من أجل حرمة صلاة الجمعة ويوم الجمعة ، فإنك تصير شربك النبيذ أسبوعا ، طيبا على قلوب الناس وتنعقل عنك ألسنة العامة ، ويكون لك الثواب بالدار الآخرة ، ويصير لك اسم في هذه الدنيا أيضا ، فإذا صار لك اسم فينبغي أن تحافظ عليه ، ولا ينبغي الإمعان في الإسراف ليكون ذلك أفضل .
--> ( 1 ) اللقمة التي يتم بها الشبع والقدح الذي يتخم به السكر .